مقدمة
يقول الأديب المغربي ربيع السملالي: "وما فائدة الأدب إن لم يعبِّر عن خَلَجات النُّفوس الضَّعيفة التي أرهقها الألَم، وأتعبها المسير بين مُنعرجات الدنيا؟!" ورواية الكاتب الصاعد سعيد السعدي باعتبارها إنتاجا أدبيا تعبر بلسان الحال عن الإنسان المعذب في الأرض، الإنسان بكل أبعاده، الإنسان الذي يعيش بؤسا فوق بؤس ويعيش في ظلمات بعضها فوق بعض.أحداث الرواية
إن الرواية تحكي قصة طفلة اسمها الغالية إنها قصة
مأساوية فيها اغتصاب طفولة ووأد براءتها، كانت هذه الطفلة رمزا للمعذبين في الأرض،
حرمت من كل حقوقها كطفلة، لقد عانت الويلات بدءا من تسلط زوجة أبيها إلى تشردها في
شوارع إحدى المدن المغربية، وانتهاء بقتل أبيها.
الإنسان البائس في رواية: رحلة الشتاء والصيف والخريف
الإنسان البائس في الرواية، ذلك اليتيم الذي ذاق مرارة
اليتم، الإنسان المتسلط الذي كانت عوامل تنشيئته سببا في تسلطه، الإنسان الحنون
الذي تحكمه أشباح الماضي تقيده، وتوثر سلبا على حاضره ومستقبله، الإنسان العاجز عن
مواجهة الحياة باعتباره ضحية من ضحايا حوادث الشغل "، الإنسان الذي يعيش في
الهامش، " حي صفيحي على هامش المدينة، الإنسان المثقف الذي يتعذب برؤية
مجتمعه يقبع في أدنى دركات التخلف بينما العالم في قمة التقدم، ولا يجد لذلك حيلة.
الكاتب سعيد السعدي يصف البؤس
إن الكاتب يصف بصدق وإخلاص أناسا تحكمهم ثقافة تقليدية تزيد في بؤسهم، كظاهرة تزويج القاصرات قهرا برجال يكبرنهن سنا، مما نتج عنه خيانة زوجية، وظاهرة انتشار السحر والشعوذة وخاصة بين النساء والإشارة الى السادات والأضرحة ووظائفهم الطبية المتنوعة والمختلفة والمتكاملة، ووظائفهم أيضا لإيجاد حلول لمشاكلهم الاجتماعية، كظاهرة العقم وإيجاد عريس، وظاهرة تشرد الأطفال باعتبارهم ضحايا مشاكل أسرية في الغالب، وما يتعلق بهذه الظاهرة من تسول وتشرميل،...كل هذا والكاتب يستحضر بعض الأحداث التي عاشها المجتمع المغربي كظاهرة ترحيل سكان الأحياء الصفيحية، وظاهرة الهجرة السرية، وظاهرة الاحتجاج عن طريق حرق الذات.البؤس قاسم مشترك بين شخصيات الرواية
وفي كل هذه العلاقات نجد الشابة الغالية، وجل أشخاص
الرواية لهم قاسم مشترك وهو البؤس، غير أن الغالية ترحل من بؤس إلى بؤس أشد قسوة،
كان البؤس الأول هو ما عبر عنه الكاتب "رحلة الشتاء"، والبؤس الثاني، ما
عبر عنه ب "رحلة الصيف"، والثالث هو الخريف، ولم تكن تتنفس طيلة حياتها
غير البؤس، وما عاشته من فرح أو نعيم كان بمثابة حلم دائما لا يتجاوز الثواني وهو
الربيع الفصل الذي حذف من العنوان.
هل أجد نفسي في الرواية؟
وهنا أتساءل ما موقعي أنا كقارئ للرواية؟، في مرات عديدة
وأنا أقرأ رواية أو كتابا أجد نفسي وكأنني بطل من أبطال الرواية وأن الكتاب يتحدث
عني، أو أن الرواية أو الكتاب هي فيلم أنا أحد أبطالها الرئيسيين، إن البؤس الذي
تعيشه الغالية، هو بؤس نعيشه نحن أيضا، نعيشه بصورة من الصور، إن لم يكن تشردا في
الشارع، فحرمان من أساسيات الحياة، وإن لم يكن طغيان زوجة أب، فحرمان من التمدرس
والتطبيب، وانتشار البطالة بيننا
على سبيل الختم
إن الكاتب سعيد في روايته استحضر معرفته التاريخية،
ومعرفته الاجتماعية، ومعرفته الفلسفية، ومعرفته النفسية، خاصة إذا علمنا أن الكاتب
حاصل على الإجازة في الفلسفة وباحث في سلك الماستر في الفلسفة أيضا، التي تعتبر
سنتها الأولى جذع مشترك بين ثلاث ميادين فكرية وعلمية، الفلسفة، وعلم الاجتماع،
وعلم النفس، إنك تجد بين ثنايا كلامه البعد التاريخي حاضر، والبعد النفسي حاضر،
والبعد الفكري والفلسفي حاضر والبعد الاجتماعي حاضر، ليصور نفسية الإنسان المقهور
والإنسان المهدور الإنسانية، والإنسان البائس، لذلك تشعر وأنت تقرأ هذه أنه قد
أزال جلباب الروائي، ولبس جلباب المثقف الذي يهمل هما لمشكلات مجتمع بلده.





