الأحد، 12 مايو 2019

فصل المقال الكتاب الذي صالحني مع الفلسفة



تمهيد

 عرفت الفلسفة في تاريخها الطويل مهاجمين شرسين عليها، ساعين في إخراجها من ثقافات الحضارات ومكوناتها، لعدة أسباب تختلف من حين لآخر، حرقت كتبها، وفي أحيان أخرى تعرض للقتل والتعذيب روادها، لكن في نفس الوقت، عرفت أنصارا لها، ومدافعين عن حقها في الوجود ضمن مكونات الحضارة الإنسانية، وإن كانت هذه قاعدة عامة في كل الحضارات فإن وضع الفلسفة في الحضارة الإسلامية لم تكن استثناء، فقد عرفت مهاجمين شرسين، كما عرفت أنصارا ومدافعين مخلصين، ولعل أكبر هجوم تعرضت له الفلسفة في الحضارة الإسلامية، كان الإمام الغزالي بطلها، أبطل ما في المشائية من ابتعاد عن العقيدة، كفر الفلاسفة في ثلاثة أمور: "القول بقدم العالم"، و"علم الله بالكليات دون الجزئيات"، و"بعث أرواح الناس دون الأجساد"، في كتبه المختلفة وخاصة كتابه: "تهافت الفلاسفة"
وردا على هجوم الغزالي على الفلسفة، انبرى ابن رشد رادا عليه ومنافحا عن حق الفلسفة في الوجود في الحضارة الاسلامية، بكتابه "تهافت التهافت، "، وكتابه الصغير الجحم ا لكبير الفوائد "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال"، ولمشاهدة الحلقة على قناتنا في اليوتيوب الكتب سلاح العقول هذا رابطها:

من أهداف تأليف كتاب فصل المقال

 يبدو من خلال قراءة كتاب ابن رشد الآنف الذكر، أنه يسعى إلى تحقيق هدفين:
_1 الدفاع عن حق الفلسفة في الوجود في الحضارة الإسلامية.
_2 أطروحة ابن رشد في العلاقة بين الحكمة والشريعة الذي يمكن اختصارها في قوله: "الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له". من أجل دفاع ابن رشد عن حق الفلسفة في الوجود حدد غرض كتابه بقوله: "هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع، أم محظور، أم مأمور به إما على الندب، وإما على جهة الوجوب" من جهة الشرع؟
ورأى أن الفلسفة هي النظر في المصنوعات للدلالة على وجود الصانع، وبالتالي جعل الفلسفة تخدم التوحيد، وواضح جدا أن هذا المنحى فرضه عليه السياق الفكري والثقافي الذي كان يلفظ الفلسفة خارج العلوم الذي ينشغل بها الدارسون. فلذلك حاول إيجاد تبريرات مقنعة لحق الفلسفة في الوجود، فرأى أن:
1- القرآن والعقل معا يحثان الإنسان على النظر والتفكر والتأمل ومن الآيات القرآنية التي تدل على ذلك قوله تعالى: "ويتفكرون في خلق السموات والأرض".
2-وهذا التفكير هو ما تقوم به الفلسفة وتدعو إليه، ففلاسفة اليونان وضعوا قواعد للتفكير وواصلوا البحث في قضايا الوجود والإنسان. وبذلك نصل إلى أن هناك منهجان: الفلسفي والديني، يقودان معا إلى هدف واحد وهو وحدة الحقيقة، يقول ابن رشد: "إن النظر البرهاني لا يؤدي إلى ما يخالف ما ورد به الشرع، فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له".

 ماذا لو تعارض الدين والفلسفة؟، 

في هذه الحالة الأمر لا يخلو من خصلتين:
1- فإما أن يكون الشرع قد سكت عنه، وإذن فلا تعارض هناك.
2- وإما أن يكون ظاهر ما نطق به الشرع مخالفا لما أدى إليه النظر البرهاني العقلي.
وفي هذه الحالة، نلجأ إلى التأويل الذي يعرفه ابن رشد بأنه: "إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية، من غير أن يخل ذلك بعادة لسان العرب في التجوز، وذلك مثل أن يسمى الشيء بشبيهه إلى لاحقه أو مقارنة.." وهذا التأويل يمارسه الفقيه في كثير من الأحكام الشرعية، رغم أن هناك من هو أقدر منه على التأويل؟ وهم أهل البرهان الذين يعرفون حقيقة الكون بالمنهج العلمي وهم الفلاسفة الذين وصفهم القرآن الكريم بأنهم الراسخون في العلم، ولهم شرطان:
- ذكاء الفطرة.
 – العدالة الشرعية، والفضيلة العلمية والخلقية، والخلقية.

مراتب الناس

انطلاقا من وحدة الحقيقة واختلاف طرق الوصول إليها، وتفاوت درجات الناس وحظوظهم في تحصيلها، قال ابن رشد: "إن هناك مستويات ثلاثة للناس إزاء التصديق ذلك أن طباع الناس متفاضلة في التصديق، فمنهم من يصدق بالبرهان، ومنهم من يصدق بالأقاويل الجدلية تصديق صاحب البرهان بالبرهان، إذ ليس في طباعه أكثر من ذلك، ومنهم من يصدق بالأقاويل الخطابية كتصديق صاحب البرهان بالأقاويل البرهانية".
في قمة مرتب الناس أهل البرهان، العارفون بصناعة الحكمة، والسالكون إلى التصديق طريق البرهان، وهم الفلاسفة الذين يجب أن يصونوا صناعتهم هذه عن أهل الجدل وعن الجمهور، وذلك حفاظا على التصديق الذي تحصل لكل فريق من السبيل الذي هيئ له وفق ما لديه من إمكانات.
من النقاط الأساسية التي عابها ابن رشد على الإمام الغزالي، هو إشراك العوام في قضايا هي خاصة بأهل البرهان، رغم أنه لم يشك في حسن نيّته، فقد أراد تكثير أهل العلم، فتكاثر أهل الفساد، فنتج بذلك قوم يذمون الفلسفة وقوم يذمون الشريعة، وقوم إلى الجمع بينهما، وهذا في البيداغوجيات الحديثة يسمى، عدم مراعاة قدرات واستعدادات الفئة المستهدفة.

على سبيل الختم

يختم ابن رشد فصل المقال، ببيان أن الفلسفة تعرضت للإذاية من الأصدقاء قبل الأعداء، وأكد "أن الحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة...وهما المصطحبتان بالطبع، المتحابتان بالجوهر والغريزة".
الكتب سلاح العقول، من بينها هذا الكتاب الصغير للكبير أبي الوليد بن رشد فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال.

ليست هناك تعليقات:

اضافة تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2019 مدونة الكتب سلاح العقول
محمد : الكاس