مقدمة
تنقسم الآثار الأدبية لمصطفى لطفي المنفلوطي إلى آثار موضوعة، ك"النظرات"، وآثار مترجمة كرواية "في سبيل التاج" التي نقدم حولها هذه القراءة.
في سبيل التاج هي رواية تمثيلية للكاتب الفرنسي فرانسوا كوبيه، قام مصطفى
لطفي المنفلوطي بتعريبها، هي قصة شاب، تتعارض نفسه مع قيمتين، قيمة البر بأبيه،
وقيم المواطنة، فضحى بأبيه، مقابل الذود عن الوطن، وفي النهاية ضحى بنفسه في سبيل
شرف أبيه.
ما المقصود بالقيم؟
وأقصد بالقيم هنا "معايير عقلية ووجدانية، تستند إلى مرجعية حضارية،
تمكن صاحبها من الاختيار بإرادة حرة واعية وبصورة متكررة نشاطا إنسانيا، -يتسق فيه
الفكر والقول والفعل- يرجحه على ما عداه من أنشطة بديلة متاحة فيستغرق فيه، ويسعد
به، ويحتمل فيه ومن أجله أكثر مما يحتمله في غيره دون انتظار لمنافع ذاتية"
كما يورد الدكتور خالد الصمدي.
تتمحور أحداث الرواية بين الدولة العثمانية التي أخضعت البلقان لسلطانها،
وبين كفاح البلقان ضدها للاستقلال عنها، واسترجاع حريتها، ومن هنا تبدأ الحكاية.
الحدث الرئيسي في رواية: في سبيل التاج
قسطنطين شاب تعارض وجدانه بين قيمتي البر والمواطنة
قسطنطين، هو الشاب التي تعارضت نفسه مع قيمتي البر والمواطنة، هو ابن القائد
برانكومير، من زوجه الراحلة، لقد ورث أخلاقا سامية كريمة من والدته، وشجاعة
وإقداما وصبرا واحتمالا للمكاره في سبيل خدمة الوطن والأمة من أبيه القائد. زوج
أبيه الثانية "بازيليد"، مثله، امرأة طموح، مؤمنة بنبوءة كهان أخبر أباها
وهي ما زالت في المهد أنها ستكون ملكة عظيمة الشأن، ولأنها استهوت قلب القائد
برانكومير، واختلبت لبه، ونزلت من قلبه منزلة لم ينزلها منه أحد من قبلها، فأصبح
مستهاما بها، مستسلما إليها، لا يصدع إلا بأمرها، ولا يصدر إلا عن رأيها، طالبت
منه منافسة الأسقف "أثين" على الملك بعدما كان مجرد قائد على الجيش، بعد
موت الملك "ميلوش"، رغبة في تحقيق نبوءة الكهان، فلم يعد هم القائد في
الحياة إلا تحقيق نبوءتها، أن تصبح زوج ملك، يتلألأ تاج الملك المرصع البديع على
جبهتها اللامعة المضيئة.
خيبة أمل زوجة أب قسطنطين بازيليد
لكن الأمور لم تجر كما اشتهى صاحبها، فنصبت الجمعية الوطنية الأسقف
"أثين"، الذي "عز عليه ضياع بلاده وسقوطها في يد أعدائها"، "فقام
بتعليم الشعب البلقاني دروس الوطنية الشريفة العالية"، وبسببها أنقذ الوطن من
العار ورفعه إلى ذروة المجد والفخار".
لم تقف زوج الأمير الحالمة بالتاج مكتوفة الأيدي، بل راودت نفسَ برانكومير باقتراح
من جاسوس تركي، أن يقوم بترك الحدود، وإخلائها من حراسها، وتسهيل اجتيازها للجيش
التركي. فاعترفت أن برانكومير ليس سهلا "أن يتحول في ساعة واحدة عن أخلاقه
وطبيعته، من وطني مخلص..إلى خائن سافل، لكنها انتصرت عليه في النهاية، اتفقت وزجها
مع الجاسوس التركي أن يخلي حدود المملكة من حراسها هذه الليلة، لتتمكن الجيوش
التركية من اجتيازها، فإن فعل ذلك أصبح في الغد سيد البلقان وملكها". وبعد
ذهاب القائد للتل، هناك يجري أهم مشهد في الرواية، الصراع بين قيم المواطنة وقيم
البر بالوالدين، في وجدان الابن، وقامت كذلك معركة قيمية في نفس القائد بين واجب الوطن
وقيمه، وبين تحقيق رغبته ورغبات شهوة زوجه.
خادمة قسطنطين وكشف المؤامرة
لقد كان لقسطنطين خادمة تدعى: "ميليتزا"، هي التي أخبرته بما
اتفق عليه أبوه وزوجه والجاسوس التركي، والارتكاب الوشيك للخيانة العظمى، فتعقب
الابن خطوات الأب وتواجها على التل.
حاول الابن البار بأبيه محاولات عدة، ليتخلى أباه عن
فكرة الخيانة، ولم يدخر جهدا في سبيل ذلك، لكن الأب لم يستنكف وأبقى مصرا، يقول
الابن في تذلل وخضوع "إني أحبك كما أحب وطني، وما على وجه الأرض شيء أحب إلي
منكما. وكما أتمنى له أن يعيش حرا مستقلا، أتمنى لك أن تعيش شريفا عظيما. فإذا ضاع
وطني وكان ضياعه على يدك أنت فقدت في ساعة واحدة جميع ما أحب في هذه الحياة"
ص:56، إنه كلام يختصر ما تعيشه وجدانه من صراع بين قيم الوطن والوطنية، وقيم البر
بوالده، إنهما يستويان في الكفة، إني احبك كما أحب وطني، لكن أزف وقت الخيانة،
فتقدم الابن لإشعال النار إعلانا للجيش لملاقاة العدو التركي، فاعترضه أبوه وهدده
بالقتل، فأخبره الابن أنه كان ينوي الوشاية به وزوجه إلى الملك فينظر ماذا يفعل
بهما، وتراجع إشفاقا على شرفه العظيم، وخاف أن يشار عليه الناس بأنه ولد سافل وشي بأبيه،
ولا يلد الخونة إلا مثلهم. جاءتْه فرصة ففكر في قيم البر، ولم يخطر بباله قيم
الوطن والوطنية.
"فوقف قسطنطين حائرا ملتاعا يترجح بين اللهف على وطنه الضائع، والإشفاق
على أبيه المسكين، لا يستطيع أن يخون وطنه الذي نبت في تربته وعاش بين أرضه
وسمائه، ولا أن يعق أباه الذي أبرزه إلى الوجود ووهبه نعمة الحياة التي ينعم
بها".
لكنه في الأخير، قدم قيم الوطن والوطنية على قيم البر بالوالد، فهم بقتله،
فقال الوالد: "إنك لا تستطيع أن تقتل أباك".
فرد الابن المخلص للوطن: أستطيع أن أفعل كل شيء في سبيل وطني، إنني وقفت
سيفي طول حياتي على خدمتك وحمايتك والذود عنك أيام كنت لوطنك وقومك. أما الآن فإني
أغمد ذلك السيف نفسه في صدرك طيب النفس، مثلوج الفؤاد لأني أعتقد أني لا أغمده في
صدر أبي بل في صدر خائن وطني".{66}، فأنجز وعده، وقاد المعركة الفاصلة
وانتصر، ولم يفضح سر أبيه، فاعتبر برانكومير شهيد الوطن.
من انتصر قيم البر أم قيم المواطنة؟
في النهاية انتصرت قيم المواطنة على قيم البر بالوالد، فشيع برانكومير إلى
مثواه الأخير، كشهيد للوطن وبطله العظيم، وعين الإبن الضابط الشجاع منقذ الأمة
والوطن، مكان أبيه كقائد للجيش.
لم تنتصر قيم الوطن والوطنية بقتل الأب الخائن، بل استمرت كصحوة ضمير قاتل
أبيه، لام نفسه، خيل إليه أن ذنب قتل ابيه يحاصره من كل زاوية، "إنني على ثقة
من نفسي، لم أفعل إلا ما يجب على كل رجل شريف أن يفعله" ص: 68.
تعرض مرة أخرى لامتحان بعدما نصبت له زوج أبيه دسيسة للوقوع به، فنجحت،
فتعرض لتهمة خيانة الوطن، فلم يجرأ أن يدافع عن نفسه، وقال: "إنني لا أستطيع
أن أبرئ نفسي إلا إذا اتهمت أبي، وقد قتلته مرة فلا أقتله مرة آخرى" ص: 89 فتعارضت
في وجدانه أيضا القيم الذاتية مع قيم البر بأبيه.
من الواضح جدا، أن قيم المواطنة مقدمة على قيم البر بالوالد في هذه الصورة،
فقيم حب الوطن والافتخار به والاعتزاز بمقوماته الحضارية والتضحية من أجل حماية
الخصوصية الدينية والثقافية، لا تساوي في القيمة قيم البر بالوالد، فقيم الوطن عامة
مقارنة مع قيم البر بالوالد.
من خصائص القيم
ومن الجدير بالذكر أن من أهم خصائص القيم أن يكون حاملها حرا، لا يقوم على
فعل الشيء أو تركه عن طريق الإكراه، او الترغيب والترهيب، بل هي نابعة عن اختيار
حر، لذلك تعدد الاختيارات أمامه، ضروري لتجلي القيمة، فقسطنطين، كان بين خيارين،
إما أن ينساق مع رأي أبيه، وإما أن يقدم واجب الوطن والوطنية، لكن قوة ترسيخ القيم
الوطنية في وجدانه، جعلته يضحي بأبيه قتلا، ويرفع راية الوطن، وتكررت واستمرت معه
هذه القيم في مواقف عدة، فالقاعدة تقول: "كلما كثرت المؤشرات وظهرت في مواقف
مختلفة ومتكررة، كلما قام ذلك دليلا على وجود مستوى متطور من القيمة لدى الشخص
والعكس صحيح".
على سبيل الختم
وفي الأخير نقول: لقد افتتحت
الرواية ببيان دور القيم الدينية في استثارة المشاعر، وإيقاظ الهمم وشحذ الارادات
في محاربة العدو الذي استعبد العباد، ونهب خيرات البلاد، من طرف رجل دين وهو
الأسقف "أتين"، واختتمت أيضا ببسالته وقيادة معركة النصر وكان دوره فيها
بث القيم الدينية وروحها في نفوس جنده أثناء المعركة.

