الأحد، 12 مايو 2019

قراءة في كتاب: حكمة الغرب الجزء الأول لبراترند راسل



يعد الفيلسوف برتراند راسل من أكبر فلاسفة عصرنا المعاصر، لقد آتاه الله بسطة في العمر والفكر، اذ امتد عمره قرنا من الزمان لا ينقص سوى عامين، وانبسط فكره الخصب ليشمل مجالات شتى من المعرفة...فاهتماماته الفكرية والفلسفية والعلمية بدأت بالرياضيات ومرت بالمنطق والفلسفة ونتائج العلوم الفزيائية والفلكية وانتهت بعلم النفس والاجتماع والتربية والسياسة، ومن أشهر كتبه المتعلقة بالفلسفة، كتابه الضخم "تاريخ الفلسفة الغربية من أربعة أجزاء، ثم كتابه في تاريخ الفلسفة "حكمة الغرب من جزءين وجزؤه الأول هو موضوع هذه التدوينة، أما الجزء الثاني فسيكون موضوع التدوينة المقبلة.
ولمشاهدة الحلقة الخاصة بهذا الكتاب على قناتنا: "الكتب سلاح العقول"

 يقول راسل موضحا مضمون كتابه هذا: "إن ما أحاوله هاهنا، إنما هو إلقاء نظرة شاملة على الفلسفة الغربية منذ طاليس حتى فيتجنشتاين مع بعض الإشارات إلى الظروف التاريخية التي حدثت فيها وقائع القصة".ج1 ص: 13، في جزئه الأول يقدم عرضا للفكر اليوناني وفكر العصور الوسطى الغربية في سياقهما الحضاري والاجتماعي
يعترف الكاتب في مقدمة كتابه، أن كتابه هذا جديد كل الجدة، غير أنه يرى أنه من المحال أن يظهر لو لم يسبقه كتاب تاريخ الفلسفة الغربية.
من مقومات الفلسفة حسب راسل:
-     حب الاستطلاع واستكشاف المناطق المجهولة.
-     هذه المغامرة الاستكشافية نقوم بها لذاتها، وليس من أجل حل مشاكلنا وإنقاذ أرواحنا.
-     لا يمكن تعريف الفلسفة، وكل تعريف لها يثير الجدل ولا يطوي الخلاف.
-     الأسئلة التي تهتم بها الفلسفة هي التي لا يمكن للعلم أن يقدم إجابة عنها، والأسئلة التي لا يمكن أن يقبل الإنسان إجابتها جاهزة.
-     يتكون  هذا الجزء من 5 فصول هي على الشكل التالي:
-     قبل سقراط: يرى راسل بأن الفلسفة إضافة إلى العلم اختراعان يونانيان...إن الفلسفة والعلم يبدآن بطاليس الملطي في أوائل القرن السادس قبل الميلاد، وهو من الفلاسفة الطبيعيين قبل سقراط، ومن خصائص هذه المرحلة الفلسفية: طرحها لإشكالات أنطولوجية ارتبطت أساسا بإرجاع الكثرة إلى الوحدة، أي البحث عن العنصر الأول، لأصل الوجود،  فطاليس وهو أول فيلسوف حسب راسل، يرى بأن الماء أصل كل الأشياء.
-     أثينا: ويتناول فيها ثلاث فلاسفة كبار، هم سقراط، وأفلاطون باعتبار أصلهما الأثنيني، وأرسطو باعتباره نهل الفلسفة والعلم في أثينا، وهذه المرحلة من خصوصياتها طرح إشكالات ذات بعد إنساني، كالاهتمام بالأخلاق والسياسة ودراسة المجتمع الإنساني، وبالتالي الانتقال من البحث في الوجود إلى الوجود الإنساني الواقعي المشخص، قال غوستان غاردر: "كان فلاسفة الطبيعة يهتمون بالتحليل الفيزيائي للعالم، وبهذه الصفة يحتلون مكانا مهما في تاريخ العلوم، لكن دراسة الطبيعة استبدلت في أثينا، بدراسة الإنسان وموقعه في المجتمع" ص: 71
-     الهلينية، تغطي هذه الفترة ما يقرب من 300 سنة، كما تغطي الثقافة التي غلب الطابع الإغريقي، والتي تفتحت في الممالك الثلاث الكبرى: مقدونيا، مصر، وسوريا، بسيطرة سياسية رومانية في الغالب، يعني أن علم الإغريق وفلسفتهم وفنهم أصبح يمارس تأثيره على هذه الحضارات الشرقية، إضافة إلى طهور التخصص، مع انتقال المركز العلمي من أثينا إلى الإسكندرية، لقد عملت هذه الفلسفة على البحث عن معرفة أين تكمن السعادة الحقيقية وكيف نبلغها؟  ومن تيارات هذه الفترة الكلبيون، والرواقيون، والأبيقوريون، والأفلاطونية الحديثة، والتصوف.
-      المسيحية المبكرة، الفلسفة قبل المسيحية كانت منفصلة تماما عن الدين، أما بعد تنصر الإمبراطورية الرومانية، فقد تمازجت الفلسفة مع الدين، ومنذ ذلك الحين إلى نهاية العصور الوسطى أصبحت الفلسفة في الغرب، إشكالها الأساسي محاولة التوفيق بين الفلسفة والدين أو بين الحكمة والشريعة في الغرب وأيضا في الحضارة الإسلامية، وهذه الفلسفة حسب راسل أول مراحل نضوجها كان على يد القديس أوغسطين، الذي تأثر بأفلاطون أساسا، ويرى راسل أن همه الأكبر هو محاولة التوفيق بين تعاليم الكتاب المقدس، والتراث الفلسفي للمدرسة الأفلاطونية، وبلغت قمتها على يد القديس توما الأكويني.
-     الحركة المدرسية: من 600 ارتبطت الفلسفة بالكنيسة منذ انهيار روما، واحتلال البابوية الفراغ السياسي التي تركته، ولأن المستويات العامة للثقافة قد انخفضت أصبح رجال الدين الذين حافظوا على ما تبقى من تراث العلم، فأسسوا المدارس وأشرفوا عليها...وظلت الفلسفة المدرسية بلا منافس حتى عصر النهضة.
ما الذي يميز الحركة المدرسية عن الفلسفة الكلاسيكية؟
فلسفة الحركة المدرسية، نتائجها محددة سلفا فلا بد أن تعمل في حدود التعاليم الدينية، بخلاف نتائج الفلسفة الكلاسيكية.
-     ختاما:
ختاما لا بد من الإشارة إلى ثلاث نقاط أساسية
الأولى: لا يترك راسل الفرصة إلا وهو يمجد الفلسفة الغربية، وخاصة بذرتها الأولى الفلسفة اليونانية، يقول: "إن المرء حين يعود بأنظاره إلى الإنجازات الفلسفية للعالم القديم، يشعر بالانبهار إزاء القوة غير العادية التي أبداها العقل اليوناني في إدراكه للمشكلات العامة" ص: 185، لسمات أساسية منها: بناؤها على نزوع أخلاقي إلى بذل الجهد العقلي، وأيضا عدم ادعائها العصمة من الخطأ، ورغبتها في تحرير العقل من نير الجهل، والتخلص من الخوف من المجهول عن طريق تصوير العالم على أنه قابل لأن يعرف بالعقل.
الثانية: "قيمة دراسة تاريخ الفلسفة تكمن في أنه يتيح لنا إدراك أن معظم الأسئلة قد طرحت من قبل، وأن بعض الإجابات الذكية عنها قد قدمت في الماضي" ص: 205
من مميزات الكتاب:
- رؤية شاملة للفلسفة الغربية منذ نشأتها في العصر اليوناني حتى النصف الثاني من القرن العشرين.
- المؤلف فيلسوف كبير، لذلك فكتابه في تاريخ الفلسفة سيكون غاية في العمق والتشويق.
- يعرض الأفكار الفلسفية عرضا منهجيا، إصافة إلى حرصه على وضع تلك الأفكار في سياقها التاريخي والاجتماعي، لا عرض الأفكار الفلسفية المحضة كما فعل في كتابه تاريخ الفلسفة الغربية.
- هذا الكتاب بحق من الكتب التي يمكن ضمها إلى قائمة: "الكتب سلاح العقول"

ليست هناك تعليقات:

اضافة تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2019 مدونة الكتب سلاح العقول
محمد : الكاس