تمهيد
منذ بدأت أعي وأنا أسمع أن الفلسفة مجرد كلام معقد، يضر ولا ينفع، والفيلسوف مجرد متأمل سابح في برجه العاجي، لا تمت أفكاره وأراؤه الفلسفية لواقع الناس أية صلة، الاستغناء عنها أفضل بكثير من الاهتمام بها، ولم يتغير هذا الحكم، إلى أن قرأت كلاما قاله محمد عابد الجابري: لقد أنزل سقراط الفلسفة من السماء إلى الأرض، أرض الإنسان، وأنزلها ابن خلدون من سماء العقول الفلكية إلى الأرض أرض العمران، وقلب ماركس ديالكتيك هيغل رأسا على عقب، فجعله يمشي على قدميه بدلا من المشيء على رأسه...في كل وقت وفي كل زمان، كان هناك في الفلسفة شيء لصالح الإنسان، ومسستقبل الإنسان". عزاءات الفلسفة كيف تساعدنا الفلسفة في الحياة؟ هو كتاب لكاتب سويسري، مقيم في بريطانيا يقدم ست عزاءات للفلسفة لست فلاسفة تعزي بها الإنسان: العزاء بشأن مخالفة الآراء السائدة فلسفة سقراط عزاؤنا، العزاء بشأن الافتقار إلى المال، فلسفة أبيقور عزاؤنا، العزاء بشأن الإحباط فلسفة سينيكا عزاؤنا، العزاء بشأن العجز، فلسفة مونتين عزاؤنا، العزاء بشأن انكسارات القلب فلسفة شوبنهاور عزاؤنا، العزاء بشأن الصعوبات فلسفة نيتشه عزاؤنا يشرح لنا بأسلوب ممتع كيف تساعدنا الفلسفة في حياتنا اليومية؟
لمشاهدة حلقة كتاب: عزاءات الفلسفة على قناتنا في اليوتيوب:
العزاء بشأن مخالفة الآراء السائدة
حوكم الفيلسوف اليوناني سقراط بالإعدام وتهمته كانت
مخالفة الآراء السائدة، عرض عليه أن يتبرأ من أفكاره والنجاة بنفسه، ولم يقبل،
" اختار الوقوف مع ما كان يؤمن أنه صحيح لا مع ما كان يعلم أنه سيكون سائدا،
لقد قال للمحكمة: "طالما أنني أتنفس وأملك القوة لن أتوقف عن ممارسة
الفلسفة....سواء برأتموني أم لا، أنتم مدركون أنني لن أغير سلوكي، حتى لو مت مئة
مرة" ص: 8
صحيح أن كل مجتمع له أفكار تبنى عليه فلسفته السياسية
والتربوية، لكنها ليست كلها صحيحة كما يقول سقراط، لذلك اقترح علينا منهجا نعرف من
خلاله صحيح الأفكار من فاسدها، فهو يرى أن الأفكار الصحيحة ليست هي التي يعتنقها
أكبر عدد من الناس، بل هي التي لا يستطيع أحد تفنيدها، والتي بنيت على أسس منطقية
صارمة، لذلك إن واجهنا منتقدون لشخصياتنا وآرائنا، لا ينبغي أن نتراجع عنها
ببساطة، بل لا بد من مراجعة الحجج والأدلة التي بنوا عليها انتقادهم لنا، وختم
آلان عزاءنا ببيان أنه علينا أن ننصت قوما لقعلنا.
العزاء بشأن الافتقار إلى المال "أبيقور"
يعجز الكثير منا الحصول على أموال كثيرة، وعلى سكن فاخر،
وعيش حياة مترفة، يجيئ الفيسلوف أبيقور بفلسفته يعزينا، ويخبرنا أن هذه ليست هي
مقومات السعادة، إن السعادة لائحة ممتلكات أبيقورية وهي ثلاثة: امتلاك الأصدقاء،
فقد تعيش في ثراء فاحش، وتقطن في قصر باذخ، وتحجز عشاء في مطعم فاخر، لكن الأصدقاء
هم من يعطون قيمة للحياة، ثم أن تكون حرا، أن تنسج بيدك ما تلبس، وتغرس بيدك ما
تأكل، وتبني كوخا تعيش فيه وأنت حر، خير أن تعيش في ثراء، يسلبك إنسانيتك.
التفكير: ويعني أن تخلصنا الفلسفة التي ندرسها من آلام العقل، وأيضا أن تخلصنا من
النماذج الخاطئة للسعادة، ""قد تكون السعادة صعبة التحقق، ولكن العقبات
ليست مالية على نحو أساسي" ص: 89
العزاء بشأن الإحباط
لعلنا نشترك مع الفيلسوف سينيكا، في نقطة مهمة، تجرع
علقمها كل واحد منا، مواجهة الصعوبات والتحديات، والآلام، والإحباطات وخيبات الأمل،
عاش حياة محاطة بالإحباطات، وواجه كوارث هائلة وقاسى مآس عدة، ومع ذلك بقي صامدا،
قد يكون مصدر الإحباط نابعا من تعارض أمنية مع واقس قاس، أو من غضب مجنون، أو من
صدمة فاجأتنا بها الحياة، أو قلق اعترانا أو شعور بسخرية الآخرين منا، ولكل هذه الإحباطات
ومصادرها، تعزينا الفلسفة فيها ببيان، أنه لا توجد فائدة من الاستسلام أمامها
والبكاء، إذ الحياة بأسرها تدعو للدموع، ولقد وجد سينيكا نفسه ثابتا أمام كل هذه
الصعوبات، وأرجع فضل هذا إلى الفلسفة يقول: ""أدين بحياتي للفلسفة، وهذا
أقل التزاماتي حيالها"
العزاء بشأن العجز
نتعرض في حياتنا لتحديات نعجز من خلالها أن تواصل حياتنا
سيرها بسلاسة، والأمر كذلك نجد من يعطي للحياة معنى، حسب مونتين صديق حلو الرفقة
والقراءة يفعلان ذلك. فهو يرى أن القراءة مصدر تعزيته في عزلته يقول: "
الالتجاء إلى الكتب هو كل ما أحتاج إليه كي أطرد الأفكار الكئيبة".
جعل ألان العجز الذي نتعرض له ثلاثة: عجز جنسي، فرغم أن
"النشاطات التناسلية للبشر طبيعية جدا، وضرورية جدا، وصحيحة جدا، فإننا لا
نجرؤ مناقشتها، أول خطوة لعزاء الإنسان في هذا العجز هو التصالح مع ذواتنا، وأن لا
نحتقرها، ثم عجز ثقافي، نعجز عن تفهم أن لكل أمة ثقافتها ولها خصوصياتها، لذلك
نجعلها همجية ومثارة للعجب، وكلما استوعبنا مبكرا أن لكل أمة خصوصية ثقافية كان
ذلك عزاؤنا، ثم عجز فكري، قد نتعلم معارف كثيرة لكن لم نتعلم الحكمة لعيش حياة
سعيدة وفاضلة، لذلك قد تجد من الحرفيين والمهنيين أمن هم أكثر حكمة من رؤساء
الجامعات.
العجز بشأن انكسار القلب
لا نكون أحرار أثناء الوقوع في الحب، لذلك نقع في حب من
لا يبادلنا نفس الشعور، شوبنهاور، ورث من أبيه ثروة كبيرة لكنها لم تشعره
بالسعادة، كان التفكير في البؤس البشري يأخذ حيزا كبيرا من وقته، وزار بلداناً عديدة،
والتقى عدداً هائلا من الفتيات اللواتي رفضن بناء علاقة معه، والعزاء هو أن هذا
الرفض لا يخصه وحده، بل يشترك في ذلك مع مجموعة من البشر، فالشاعر وهو يشتكي من
هجر حبيبة أو رفضها، فإنه لا يعبر عن شخصه فقط، بل يعبر بلسان آلاف الأشخاص الذين
عاشوا نفس التجربة.
العزاء بشأن المصاعب
ما يحقق لنا السعادة، وما يجعلنا مبدعين في الحياة، ليس
هو الهدوء وراحة البال، بل الألم والصعوبات سبيل كل النجاحات والإبداعات، فكلما
ازداد الألم ازدادت فرص الإنجازات، هكذا يقول نيتشه إذا أردت المجد فعش دائما على
نحو خطر
"لا ينبغي أن نشعر بالإحراج بسبب بلاءاتنا، إذ عبر
إخفاقاتنا فحسب ينمو كل شيء" ص: 288
لا يكون كل ما يشعرنا بالتّحَسُّن جيدا لنا بالضرورة،
كما لا يكون كل ما يؤذينا سيئا" ص: 30
ختاما
تبقى هذه المراجعة لهذا الكتاب مراجعة شخصية، تتأرجح بين
الخطأ والصواب، هي محاولة بسيطة لتقريب مضمونه وتلخيص أهم أفكاره، فما وجدتم فيه
من عيب ونقص فهذا جهد المُقل.

ليست هناك تعليقات:
اضافة تعليق