هل يمكن ضمان الموضوعية في المعرفة التاريخية؟
مقدمة
يتأطر مضمون السؤال ضمن المجال العام
لمجزوءة الوضع البشري التي تعالج الوجود الإنساني في أبعاده الثلاث، البعد الذاتي،
والبعد الاجتماعي ، والبعد التاريخي.
وبالعودة إلى صلب الموضوع نجده يعالج
مفهوم التاريخ، حيث يعتبر هذا الأخير مجموع الأحداث والأنشطة التي عرفها الإنسان
في الماضي. إن مفهوم التاريخ هذا ليس غريبا عن تاريخ الفلسفة، إذ نجده رافقها منذ
القدم، وصولا إلى عصرنا هذا، وها هو الموضوع المطلوب معالجته يعيد طرح إشكالية
التاريخ من جديد، غير أنه هنا يتناوله على مستوى الإشكالية المتعلقة بالمعرفة
التاريخية، هذه الإشكالية يمكن صياغتها على شكل التساؤلات التالية: كيف يمكن النظر
إلى المعرفة التاريخية؟ هل هي معرفة علمية تتسم بالموضوعية؟ أم أنها معرفة تطغى
عليها ذاتية المؤرخ؟ أو بعبارة أخرى: هل المعرفة التاريخية علمية أم ليست علمية؟
التحليل
قبل التطرق إلى تحليل مضمون السؤال يجب
الوقوف عند جل المفاهيم المكونة له وشرحها شرحا فلسفيا، فالسؤال استهل بأداة
الاستفهام "هل" والتي تفيد الإجابة بنعم أو لا، أو بهما معا، كما تدل
الموضوعية على إدراك الأشياء على ما هي عليه دون تحيز أو تدخل الأهواء والمصالح،
وهي عكس الذاتية، أما المعرفة فتشير إلى إدراك وفهم الحقائق بواسطة العقل المجرد،
أو بإجراء تجربة وتفسير نتائجها، إضافة إلى مفهوم التاريخ والذي سبق تعريفه بتلك
الأحداث التي حدثت للإنسان في الماضي كالحروب والثورات.، والاكتشفات الجغرافية…
وبالعودة إلى صلب الموضوع نجد أن مضمون
السؤال ينبني على أطروحة ضمنية مفادها "أنه يمكن ضمان الموضوعية حول المعرفة
التاريخية"، أي بعبارة أخرى يمكن القول أن تلك المعارف والأنشطة التي خلفها
الإنسان عبر التاريخ يمكن أن نتحقق منها اليوم بشكل دقيق وعلمي، مثلها مثل المعرفة
المتعلقة بالعلوم الطبيعية، لأن معرفة الماضي هي نفسها تكون بعيدة عن إقحام ذاتية
العالم في الموضوع المدروس، فالمؤرخ عندما يدرس ظاهرة تاريخية معينة فهو يستبعد
المصلحة الشخصية ويستنطق الوثائق والآثار التاريخية ليضع قواعد عامة تحكم الظاهرة
وفق الاستدلالات العقلية المجردة، وبالتالي تصبح المعرفة التاريخية معرفة علمية
موضوعية، لها ما يحكمها من الدقة العلمية. إنها معرفة تخضع لمنهج نقدي موضوعي
يخلصها من الأهواء والأوهام والخيال.
المناقشة
إن الفكرة القائلة بإمكانية ضمان
الموضوعية في المعرفة التاريخية، والتي شكلت العمود الفقري لصلب الموضوع، نجد
جذورها الفكرية مع مؤسس علم التاريخ، "ابن خلدون"، حيث يرى أن المعرفة
التاريخية تتأسس انطلاقا من منهج نقدي يعتمد على تحقيق الأخبار وإخضاعها لقواعد
ومبادئ واقعية من أجل تطهير هذه المعرفة من الأساطير والحكايات الخيالية، الشيء
الذي يضفي عليها طابع العلمية، والموضوعية، والأمر نفسه الذي يؤكد عليه بول ريكور
بقوله أن المعرفة التاريخية تتم من خلال الملاحظة المنهجية للوثائق والآثار
التاريخية، مما يجعلها معرفة علمية تخضع لخطوات منهجية ذات طابع علمي يغلب عليه
طابع الموضوعية.
وخلافا لهذا نجد من يقر على أن المعرفة
التاريخية معرفة نسبية وليست علمية، ترتبط بذاتية المؤرخ وهواه ورؤيته، ومن بين
هؤلاء نستحضر ريمون آرون، حيث اعتبر أن المعرفة التاريخية ليست علما يقينيا ولا
تحقق إلا نتائج نسبية، لأنها تعتمد على ما تبقى من الماضي، ولم يعد موجودا الآن،
فهي معرفة مرتبطة بزمان ومكان محدد، مما يجعلها منفصلة على الحاضر.
الخاتمة
وخلاصة القول، نستنتج من
خلال تحليلنا ومناقشتنا لمضمون السؤال، إن الإشكالية المتعلقة بالمعرفة التاريخية،
أفرزت لنا عدة تصورات فلسفية مع بعضها البعض. إذ نجد أن هناك من يرى أن المعرفة
التاريخية معرفة علمية موضوعية، وفي نفس الوقت نجد آخرين برون أن معرفة الماضي هي
معرفة ذات طابع نسبي بعيد عن المعرفة العلمية الدقيقة.
