مقدمة
سقراط، لم يترك لنا كتبا نعرف بها فكره، ولم يترك لنا سيرة ذاتية نعرف بها تفاصيل حياته، لكنه رغم ذلك كان من المؤثرين في الفلسفة وتاريخها، اختلف فيه اختلافا كبيرا، هناك من جعله نبيا، وهناك من جعله مجرد مريض عصبي، وهناك من جعله مختلا مجنونا، وهناك من نفى وجوده أصلا، واعتبره شخصية موضوعة وضعها معاصروه ومنهم أفلاطون لتمرير آرائهم وأفكارهم الفلسفية، "السوفسطائي سقراط وصغاره" كتاب للدكتور المغربي الطيب بوعزة، يهدف من خلاله رسم صورة لسقراط وفلسفته.
لمشاهدة حلقة هذا الكتاب على قناتنا في اليوتيوب:
سقراط الشخص والفكرة
سقراط فكرة قاومت الثقافة السائدة بشجاعة، عاش فلسفته وفلسف حياته بل فلسف أيضا موته، وصار بذلك نموذجا يحتذى به في الفلسفة، ولأنه لم يترك لنا كتبا، فإن معرفة فلسفته رهين بالبحث في المصادر القديمة التي أرخت له ولفلسفته وهي: مصدر أرسطوفان في مسرحيته، ومصدر كزينوفون، ومصدر أرسطو ثم مصدر تلميذه الأشهر أفلاطون.
لكن هل يمكن
الوصول من خلال تلك الأفكار المبثوثة في هذه المصادر وغيرها إلى صورة سقراط
الحقيقية، يعترف الدكتور الطيب بوعزة بأن ذلك مستحيل جدا، ومحاولة الألماني شلايماخر
كانت فاشلة منذ انطلاقها، يقول الكاتب: لا يمكن إثبات وجود سقراط التاريخي لأسباب
أهمها: أن سقراط لم يكتب، وأن الكتاب الذين زامنوه إما كتبوا عنه بحس العداء
والتنكيت، أرسطوفان، وإما بحس الدفاع والتقريظ كما فعل كزينوفون، وأفلاطون، وإن عملية الكتابة
تلك...اختلط الفن فيها بالتاريخ والخيال بالحقيقة ص: 121
السيرة الذهنية لسقراط
يقسم الدكتور الطيب بوعزة، السيرة الذهنية لسقراط إلى مراحل
ثلاث:
المرحلة الأولى، كان اهتمام سقراط فيها "البحث في
الطبيعة"، على منوال من سبقوه، مثل طاليس وأنكسيمانس وأنكسيماندريس، وكان
متأثرا فيها بالفلسفة الأيونية.
أما المرحلة الثانية فهي التي أنزل فيها سقراط الفلسفة
من السماء وأدخلها إلى المدن والبيوت وجعلها تهتم بالقضايا التي تتصل بالناس
مباشرة، والسبب حسب الكاتب: " ظهور النمط الديمقراطي ولّد الحاجة إلى ثقافة
جديدة لا تنشغل بتقديم إجابات عن أسئلة السماء، بل تهتم بتقديم أجوبة عن أسئلة
الأرض، المستجدة في الاجتماع السياسي ص: 107
أما المرحلة الثالثة والأخيرة: فكانت تأثر سقراط بالفسلفة
الفيثاغورية التي تقول بتناسخ الأرواح أي أن اهتمام سقراط أصبح روحانيا متأثرا
بالفيثاغوريين.
محاورات أفلاطون وفلسفة المفهوم
خصص الدكتور الطيب بوعزة فصلا كاملا لإحدى عشرة محاورة
أفلاطونية، مبينا موضوعها، ومنبها لأسلوبها، وشارحا لأهم أهدافها، فبدأ بمحاورة
الدفاع "أبولوجيا" و"موضوعها وقائع محاورة سقراط، وختمها بمحاورة
ليسيس أو الصداقة وموضوعها مفهوم الصداقة العليا "فيليا".
وكان الهدف من جل هذه المحاورات هو تحديد كلي للمفاهيم
لكنهم لا يصلون إلى ذلك في الغالب، وكأن سقراط يحاول تأسيس منهج جديد، تأسيسا
يسائل المفاهيم ويكشف عن إشكاليتها الدلالية بسبب غياب الحد الكلي.
الفكر السقراطي
من خلال عرض المحاورات
وبيان وظيفتها الفلسفية، وخصائصها الأسلوبية: حاول الكاتب بعد ذلك أن يرسم أبعاد الفكر السقراطي
باستجماعها من مواطن تفرقها في المحاورات، بناء على أن "الانصات للمتن قبل
الاشتغال على فهمه وتأويله واجبا حتى نتحرر من كثير من الاسقاطات المتسرعة"
283
انطلق في هذه الأبعاد مبتدئا ب:
1- الحكمة السقراطية
يقول سقراط: ""حياة بلا فكر لا تليق بأن يحياها الإنسان"285
سأل الأثيني خيريفون عرافة: هل هناك في اليونان شخص أحكم
من سقراط؟
فكان جواب العرافة: ليس هناك من هو أحكم منه.
استغرب سقراط من هذا، فبدأ يطوف في أثينا فناقش
السياسيين فوجدهم الأكثر غباء، والشعراء والحرفيين، فوجدهم كالسياسيين، فاكتشف أن
سر حكمته: أنه الوحيد الذي يعرف محدودية معرفته في واقع ممتلئ بالادعاءات والزيوف،
لذلك كان يقول: كل ما أعرف أني لا أعرف.
2- في المنهج السقراطي
حسب أرسطو كان تحرير المفاهيم وتحديد كلي ماهوي لها هم
أهم إسهام قدمه سقراط للفلسفة، لذلك نجد المحاورات كلها تقريبا مبنية على محاولة
تحديد كلي للمفاهيم,
كان سقراط يحرص عند مبتدأ حواراته على ادعاء الجهل،
والرفع من شأن محاوره، مبطنا مقصد السخرية، ليولد الأفكار من محاوريه، قائلا: "الله
أجبرني على أن أكون قابلة لكنه لم يسمح لي بالإنجاب يقصد أنه يولد الأفكار من
الآخرين، وهو شخصيا لا يلد أي فكرة.
3- سقراط والأخلاق
يقول كزينوفون عن سقراط: "لقد كان يقضي وقته في
الحوار مع الإنسان: كان يبحث عما هي الأخلاق، وما ليس بأخلاقي" ويقول شيشرون:
سقراط أول من دعا الفلسفة للنزول من السماء للإقامة في المدن، والدخول حتى إلى
البيوتـ وفرض عليها دراسة الحياة والأخلاق، غير وجهة التفكير الإغريقي من طلب
الكلي الفيزيقي إلى طلب الكلي الأخلاقي.
4_ سقراط
والدين نحو مقاربة دلالة الدايمونيون
يدّعي سقراط أن صوتا إلهيا ينهيه ويأمره، تكرر سماع
سقراط لصوت إلهي في المحاورات في سبع محاورات، استفاد منها الدكتور الطيب بوعزة
بأن سقراط لا يؤمن بالآلهة التي كان يؤمن بها مجتمع أثينا، لكنه في نفس الوقت لم
يكن يسمي الإله الذي يزرع في روعه هذا الصوت الإلهي، يقول أفلاطون أن هذا الصوت
كان ينهيه فقط، بينما كزينوفون فإنه يتجاوز ذلك ليذكر أنه كان يأمره أيضا، ولعل
هذا ما جعل البعض يؤلب عليه، ويتهمه بالكفر بآلهة المدينة، وإفساد شباب أثينا، حتى
حوكم عليه بالإعدام شاربا السم
صغار سقراط
يقصد بصغار سقراط تلاميذه الذين أنشأوا مدارس تهتم بفلسفته، في مقابل الكبير أفلاطون، والتأريخ لهؤلاء
الصغار يضع المؤرخ أمام تحديين:
_ندرة ما تبقى من مكتوبات أولئك السقراطيين.
_عدم حياد من أرخوا لهم.
"ليس من العدل أن نجزم في المفاضلة بين من توفر منتوجه،
وبين من ضاع بين ثنايا والتواءات صيرورة التاريخ، ونفاضل فيما بينهم لتبين من كان
سقراطيا كبيرا ومن كان صغيرا.
والمدارس التي ذكرها الطيب بوعزة أربع:
المدرسة الميغارية _ المدرسة الكلبية _ المدرسة
القورينائية _ المدرسة الإيليسية
بين صغار سقراط وكبيرهم أفلاطون
هل هناك اختلاف بين صغار سقراط ار كبيرهم أفلاطون؟
أ_ يرى أفلاطون ومعه أرسطو أن سقراط اشتغل على فلسفة
المفهوم، وما يرتبط به من تأسيس على منهج الحد الماهوي.
ب_أما صغار سقراط فينفون فلسفة المفهوم ويرون أن اهتمام أستاذهم
يتمحور على فلسفة العمل ويقصدون بها الأخلاق، لا فلسفة النظر ويقصدون بها فلسفة
المفهوم
أين يلتقي سقراط مع السوفسطائيين:
استنزال التفكير الفلسفي إلى الشأن الإنساني" 411
ثم عدم الوثوقية المعرفية.
ختاما:
هذا تلخيص لكتاب يبلغ من الصفحات 412 صفحة، ليس هينا
تناول جميع أفكاره، والإشارة إلى كل مضامينه، لذلك من أراد أن يأخذ صورة متكاملة
عن سقراط وفلسفته فهو مدعو لقراءة الكتاب, الكتاب، كتب بأسلوب سهل وميسر، يستطيع الجميع أن يقرأه
ويستوعب أفكاره، خاصة وأن الكاتب يشرح في الإحالات كل ما يبدو عصي الفهم.

ليست هناك تعليقات:
اضافة تعليق