الأحد، 26 مايو 2019

قصتي مع الفلسفة 2 ماذا يتبادر إلى ذهني عندما أسمع كلمة "فلسفة"؟



مقدمة

في التدوينة السابقة، كان محورها نقطتين مهمتين:
النقطة الأولى: بيان أن التفكير الفلسفي بدأ مع بداية الإنسان، لكن الفلسفة كتفكير منهجي نسقي منظم نشأت في بلاد اليونان.
النقطة الثانية: بيان أن تعريف الفلسفة عائم جدا، لم يستطع من اشتغل بها أن أوجد تعريفا لها يطوي الجدل حولها والخلاف، أما هذه التدوينة فسوف أتناول فيها ما كان تمثلي حول الفلسفة قبل بدء قراءة كتب تتعلق بها.

ماذا يتبادر إلى ذهني عندما أسمع كلمة "فلسفة"؟

لكل منا له تمثل على الفلسفة، وضرورة دراستها من عدمه، وهل تقود إلى الإيمان أم تقود إلى الإلحاد، أم لا تقود لا إلى هذا ولا إلى ذاك.
لا أنكر أني كنت أؤمن وبعمق أنه "من تفلسف فقد تزندق"، كما سيأتي في تدوينة لاحقة، بغض النظر عن هذا، فقد كان يتبادر إلى ذهني حين أسمع كلمة "فلسفة" أمران اثنان:

التمثل الأول عن الفلسفة

كلام صعب، مفاهيم صعبة، ولا يشتغل بها إلا عميقو التفكير، ومن لديهم قدرة عقلية خارقة، وكنت دوما أنظر إلى من يدرس الفلسفة، أنه عميق التفكير، ومنطقي فيه، وأكثر فهما مقارنة مع باقي دارسي التخصصات الأخرى.

التمثل الثاني عن الفلسفة

رجل ذو شعر طويل، أشعث أغبر، لا يهتم بمظهره، ولا يعير أي اهتمام لمحيطه، ودائما يحمل سيجارة في يده، إني أراه دائما منشغل البال، وقابعا في التفكير ومتأملا في قضايا فلسفية، حتى إني كنت أتخيله، يضل طريقه وهو متجه لقضاء مآربه، وكنت أرى المتشردين لهم حظ كبير من الفسلفة.
تصحيح التمثل الأول عن الفلسفة
في الأمر الأول يمكن أن يتفق معي فيه، كل من أراد أن يقرأ كتبا فلسفية وبدأ على سبيل المثال، بالكتب النقدية للفيلسوف الألماني "إيمانويل كانط" "نقد العقل الخالص"، و"نقد العقل العملي" ونقد ملكة الحكم"، لكنه سيختلف معي  كل من قرأ بعضا من المحاورات التي ألفها أفلاطون على لسان سقراط. وكما يعلم الجميع، طريقة الحوار، حوار سهل بسيط المفاهيم، يأخذ باللب، ويغري بأسلوبه،....... ربما يرجع بساطة أسلوبه أنه كان يتجول في الأسواق، ويناقش العامة من الناس، وليس الخاصة فقط.
يقول سقراط عن وظيفته: "أيها الأثينيون! أنا أحبكم وأمجدكم، ولكني لابد أن أطيع الله أكثر مما أطيعكم، فلن أمسك عن اتخاذ الفلسفة وتعليمها ما دمت حياً قوياً، أسائل بطريقتي أياً صادفت بأسلوبي، وأهيب به قائلاً: ما لي أراك يا صاح تعني ما وسعتك العناية بجمع المال، وصيانة الشرف، وذيوع الصوت، ولا تنشد من الحكمة والحق وتهذيب النفس إلا أقلها، فهي لا تصادف من عنايتك قليلاً ولا تزن عندك فتيلاً، وأنت ابن أثينا، مدينة العظمة والقوة والحكمة؟ ألا يخجلك ذلك؟ فأن أجاب محدثي قائلاً: بلى، ولكني معني بها، فلن أخلي سبيله ليمضي من فوره، بل أسائله وأناقشه وأعيد معه النقاش، فان رأيته خلواً من الفضيلة، وأنه يقف منها عند الحد القول والادعاء، أخذت في تأنيبه، لأنه يحقر ما هو جليل، ويسمو بما هو دنئ وضيع؛ سأقول لذلك لكل من صادفه، سواء أكان شاباً أم كان شيخاً، غريباً أم كان من الوطن، لكني سأخص بعنايتي بني وطني، لأنهم إخواني، تلك كلمة الله فاعلموها. ولا أحسب الدولة قد ظفرت من الخير بأكثر مما قمت به ابتغاء مرضاة الله، وما فعلت إلا أن أهبت بكم جميعاً، شيباً وشباناً، أن انصرفوا إلى أنفسكم وما تملكون، وبادروا أولاً بتهذيب أنفسكم تهذيباً كاملاً، وها أنذا أعلنكم أن الفضيلة لا تشترى بالمال، ولكنها هي المعين الذي يتدفق منه المال ويفيض بالخير جميعاً، سواء في ذلك خير الفرد وخير المجموع1"

تصحيح التمثل الثاني عن الفلسفة

أما النقطة الثانية، فالواقع يشهد لي أن الأمر ليس كذلك، وأن الناس معادن، تختلف في الآراء، والأفكار، كما تختلف في الأذواق.

استنتاج وخاتمة

وفي النهاية اقتنعت أن دراسة الفلسفة كفلسفة، هي ما عبر عنها، "رجب بودبوس"، في كتابه: "تبسيط الفلسفة": "مهمة تدريس الفلسفة هي حث فكر المبتدئ ليفكر ليفهم، هي غرس الحس النقدي فيه، فلا يقبل ولا يرفض إلا ببرهان واضح، إنها تربية استقلالية فكرية عند الدارس. اختلاف الآراء والمذاهب لا يقدم لكي يشل تفكير الدارس، بل لكي يبرهن له على أن الحقيقة ليست ملك أحد من الماضي ولا من الحاضر، ولم يقل فيها أحد الكلمة الأخيرة، وهي بهذا مقدمة ضرورية للعلوم لأنها تدمر الجمود والتبعية والتلقي والببغاوية2"
___________________________________
الهوامش
محاورات أفلاطون ص: 92
تبسيط الفلسفة ص: 09






ليست هناك تعليقات:

اضافة تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2019 مدونة الكتب سلاح العقول
محمد : الكاس