تمهيد
كتاب هذه التدوينة هو كتاب لمفكر إسلامي عراقي، له إنتاجات فكرية مهمة خاصة في التاريخ الإسلامي، من مؤلفاته: التفسير الإسلامي للتاريخ، ومدخل إلى التاريخ الإسلامي، المفكر هو عماد الدين خليل، والكتاب "حول إعادة تشكيل العقل المسلم.
ولد المفكر العراقي عماد الدين خليل في مدينة الموصل
العراقية سنة 1939، حاصل على الماستر والدكتوراه في التاريخ الإسلامي، لذلك جل
مؤلفاته لها علاقة بمجال تخصصه.
مقدمة
ينطلق الدكتور عماد الدين خليل في كتابه "حول إعادة
تشكيل العقل المسلم"، من الاعتراف بأن العقل المسلم منذ مدة، يعاني من عطالة
مفتوحة، لم يستطع أن يساهم في إنتاج الحضارة، وإبداع ما يجعل الإنسان يعيش في رخاء
مادي وهناء روحي، وطمأنينة فؤاد، وسكون قلب، ولهذا فإنه مطالب بإعادة تشكيله، وذلك
بتصحيح تصوراته حول الرؤية الكونية المتكاملة والشمولية للإسلام، ثم تخليصه من
النظرة التجزيئية للتحديات التي تواجه نهضته من جديد.
تحولات العقل المسلم التي أحدثها الإسلام فيه
عندما جاء الإسلام، أحدث تحولا كبيرا في بنية عقلية
الإنسان العربي المسلم، على المستوى التصوري الاعتقادي، وعلى المستوى المعرفي،
وعلى المستوى المنهجي، لذلك أنتج لنا حضارة، بكل تركيباتها وتعقيداتها، فقد أنتجت
عقلا منفتحا على جميع الثقافات المختلفة، كالفلسفة اليونانية، والتراث الفارسي
الهندي، لكن هذا الانفتاح كان على مستوى محدود، ذلك أنه كان ينتقي ما يناسب طبيعة
الدين الإسلامي وخصائصه ومقوماته ومن مراحل هذا الانتفتاح: "الانتقاء
الحضاري"، التي تعني عملية انتقاء ما يناسب روح الإسلام مما عند الأمم
الأخرى، وبعد هذه المرحلة كان الإبداع والاغناء والاكتشاف، "الابداع بعد
الانتقاء"، ثم "النقل الجغرافي والانتشار"، وذلك بعدم البخل على
الأمم بإنتاجات الحضارة الإسلامية.
هيكل حضارة الإسلام
إن الهيكل الحضاري للحضارة الإسلامية، حسب الدكتور عماد
الدين خليل، له ثلاث أضلاع: الأرضية، وهي مسخرة للإنسان، ليست سهلة لا تجعل للناس
أي دور فيها وعليها، وليست مستحيلة يعجز الإنسان عن الابداع فيها، بل صعبة تجعل
الإنسان يتحدى ليكون صانعا للحضارة، ومشيدا للعمران، أما الضلع الثاني فهو مَلك
الأضلاع وهو "الإنسان، الذي خلقه الله للاستخلاف في الأرض، وزوده بالقدرة على
التعلم، والقدرة على الفعل والإنجاز والإبداع، وكرمه بأن أسجد له الملائكة، ثم عاقبه
بأن أنزله من السماء إلى الأرض ليجزي من أحسن، وليعاقب من أساء، أما الضلع الثالث
فهو "برنامج العمل" وهو "الدين" باعتباره منهجا متكاملا لعيش
حياة وفق مبادئه وقيمه يساعد الإنسان على ممارسة وظيفته الحضارية وهو الاستخلاف
والعمران.
"إن الدين وفق هذه الرؤية يبدو برنامجا حضاريا.. وهو
يكمل ويناظر طرفي المسألة الآخرين: الأرضية والإنسان. وما دامت الحياة الدنيا تعني
–في المنظور الديني عموما- تجربة اختبار وابتلاء، فمعنى هذا أنها تتطلب منا عملا
دائما وإبداعا متواصلا"1"
وفي هذا الفعل الحضاري، جاء الدين وحدد الهدف من فاعلية
الإنسان في هذا الكون، وهو "عبادة الله وحده، بالمفهوم الدين الشامل"،
وهو هدف تدعو إليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، "عبادة الله، والتوجه
إليه، والتلقي عنه،.." ويدعو الإسلام الإنسان المؤمن أن يسخر كل إمكانياته
على مر العصور والأزمان أن يتحرك بكل الوسائل الممكنة لتعمل البشرية على تحقيق هذا
الهدف الكبير الذي ينسجم مع القوانين الإلهية والسنن الكونية.
المسلم بين الجبر والاختيار
ولتحقيق هذا الهدف، _عبادة الله..وتشييد الحضارة_ نجد أنفسنا بقدر ما نحن مجبرين في أشياء
كثيرة تتعلق بوجودنا، بقدر ما نحن مخيرين في أمور أخرى أكثر اتساعا: كالفكرة التي
نتخذها عن الوجود، وعن الأفعال والأهداف والمعطيات التي نقدمها للحياة.. وهذه
المساحة التي نعيش فيها مخيرين، تجعلنا نقف أمام الكثير من القضايا المتعلقة
بوجودنا على طريقتين: طريق ينسجم والسنن الكونية، والقوانين الإلهية وبالتالي،
فإننا سنبدع حضارة، ونشيد عمرانا، ينتفع به الإنسان، يعيش بسببها في سعة رزق،
وهناء روح، وسعادة قلب، وكان هذا هو هدف الأديان السماوية التي سعت لتحقيقه في
دنيا الناس، وعلى منوالها دعا الإسلام الإنسان المسلم أن يعمل على تحقيق نفس
الهدف، أما الطريق الثاني، فإنه طريق يخالف السنن الكونية، والنواميس الإلهية،
فيعجز الإنسان أن يصنع حضارة، وأن يبدع عمرانا، ولن يشعر بسكينة ولا طمأنينة، يعيش
في ضنك وفي تعب وفي نصب، لا تعرف راحة البال طريقا إليه.
ملامح الحضارة الإسلامية
إن للفعل الحضاري حسب الرؤية الإسلامية ملامح، تتجلى في روح العمل والإبداع الذي نجد الآيات القرآنية أعطته حيزا كبيرا نظرا لأهميته في الفعل الحضاري، والبناء العمراني لتحقيق الاستخلاف، وتتجلى أيضا في الأمر بالإصلاح ومواجهة كل محاولة للفساد والإفساد، باعتباره من أهم المقاصد القرآنية التي هدف إلى تحقيقها في دنيا الناس، وتتجلى أيضا في التوازن بين الثنائيات وتوحدها "إننا بإزاء حركة حضارية تربط، وهي تطلب من الإنسان أن ينظر في السماوات والأرض، بين مسألة الإيمان ومسألة الإبداع، بين التلقي عن الله والتوغل قدما في مسالك الطبيعة ومنحنياتها وأغاميضها، بين تحقيق مستوى روحي عال للإنسان على الأرض وبين تسخير قوانين الكيمياء والفيزياء والرياضيات لتحقيق الدرجة نفسها من التقدم والعلو الحضاري على المستوى المادي المدني"2"، ثم التناغم والوفاق مع الطبيعة والعالم والكون، "فما دامت قوى الطبيعة وطاقاتها قد سخرت أساسا لخدمة الإنسان ومساعدته على الرقي الحضاري وإعمار العالم، فإن العلاقة بينهما...علاقة انسجام وتقابل، وتواصل وتعاون، وتكامل وكشف وتنقيب"3"، ثم الميزة التحريرية سواء على المستوى التصوري، أو المعرفي، أو المنهجي، "إن إحدى كبريات البداهات الدينية التي نتعلمها من القرآن الكريم، أن الحلال هو القاعدة العريضة في ميادين الإشباع الغريزي جميعا: طعاما وشرابا وجنسا ومسكنا وملبسا، وأن التحريم مسألة استثنائية محدودة المساحة، ضيقتها، حتى إن القرآن ليعتبر توسيعها بشكل اعتباطي كفرا وافتراء على الله"4"، ثم في النهاية الإسلام لا يعتبر الإنجاز الحضاري هدفا نهائيا، بل الآخره هي الغاية.
خاتمة
وختم الدكتور عماد الدين خليل كتابه بخاتمة عنوانها:
"نحو تكنولوجية إسلامية"، واعتبر مفتاح تقدمنا نابع من مفتاحين: التغيير
الذاتي، على جميع مكونات الإنسان وأولاهما العقل "إن الله لا يغيروا ما بقوم
حتى يغيروا ما بأنفسهم" والإعدادي الذاتي، في سائر المجالات ويؤكد على الأخذ بناصية العلم
والتقنية، وختتم بالقول: " والمفاتيح عندنا أولا وأخيرا، فإن لم نصل اليوم
الذي نبني فيه مختبراتنا ونشغلها بعقولنا،.. ونصنع سلاحنا ونستخدمه بأيدينا.. إن
لم نعد تشكيل عقولنا لكي تعمل كما أراد لها الإسلام أن تعمل.. فلن تكون لنا خارطة
أو مكان في هذا العالم، ولن يكون بمقدور ألف سنة أخرى من الاتكالية وصور التعبد
والذكر القائمة أن تصنع المعجزة"5" ص: 151
_______________________________
الهوامش
1_ حول إعادة تشكل العقل المسلم : ص: 104-105
2_نفسه ص: 121-122
3_ نفسه ص: 127
4_نفسه ص: 132
5_ نفسه ص: 151

ليست هناك تعليقات:
اضافة تعليق