مقدمة
بدءا من الميثاق الوطني للتربية والتكوين، مرورا
بالوثائق، والقرارات والتقارير، وانتهاء بالرؤية الاسترتيجية 2015_2030، نجد
المتعلم "في قلب الاهتمام والتفكير والفعل""1"، كما نص
الميثاق، قصد "بناء مواطن متمسك بالثوابت الدينية والوطنية، وبهويته
ومكوناتها، وروافدها المتعددة، ومتحل بالقيم المركزية وأيضا الفرعية، وذو تكوين متكامل
ومتجانس بين تحصيل المعارف، وامتلاك الكفايات والمهارات، وفن الحياة والعيش
المشترك، وتعلم واكتساب الخبرة"2"، كما سطرت الرؤية الاسترتيجية، وجعلت
التربية على القيم كأحد مداخيل المنهاج التعليمي المغربي، وترسيخ القيم كأحد أهم
الجوانب المكونة لشخصية المتعلم.
ما عناصر بناء شخصية المتعلم؟
ما القيم؟
وما موقع التربية على القيم من تلك العناصر؟
عناصر بناء شخصية المتعلم؟
تتكون شخصية المتعلم من ثلاثة جوانب: الجانب المعرفي، وهو
ما يتعلق بالنشاط الفكري، من تحديد المفاهيم، والاستدلال عليها بنصوص قرآنية أو
حديثية، ولعل هذا الجانب هو الأوفر حظا في البحث والتطوير في علوم التربية. أما
الجانب المهاري، فهو في الغالب نجنح فيه إلى الفعل والعمل، كأن يتقن المتعلم تلك
المعارف والمفاهيم بقدرته على التصنيف والتمييز والتوظيف،.أما الجانب الوجداني فهو
المتعلق بالحوافز والاهتمامات والقيم، والتي لا تظهر لنا إلا في شكل سلوكات ظاهرة
من خلالها نستطيع تقويمها، ومعرفة مدى تمثلها وترسخها وامتثالها من طرف المتعلم.
إن هذه الجوانب ضرورية لبناء شخصية المتعلم بناء متزنا،
منسجما، ولبنائها نص الكتاب الأبيض على ثلاثة مداخيل لبناء المنهاج التعليمي
المغربي، أولها: مدخل الكفايات، ومدخل التربية على الاختيار، وأيضا مدخل التربية
على القيم.
وإن كانت هذه هي عناصر بناء شخصية المتعلم، ومداخيل بناء
المنهج، فإننا نحتاج إلى بيان موقع التربية على القيم من تلك العناصر أو الجوانب
ما القيم؟
سننطلق في تعريف القيم من مسلمة مفادها: تعريف القيم يبقى
دائما تعريفا أوليا، وسيبقى كذلك، إنه مفهوم عائم وغير قابل للتحديد الجامع
المانع، إلا أننا ننقل هنا تعريفات للاستئناس:
1_ "القيم
مبادئ عامة وموجهات أساسية يقيس الفرد في ضوئها الأفكار والمبادئ والقواعد السائدة
في المجتمع، فيقبل ما يتوافق وهذه الموجهات ويرفض ما يخالفها" "3"
2_ القيم
"مجموعة من التنظيمات النفسية لأحكام فكرية وانفعالية تعمل بتوجيه الأفراد
وإراداتهم لتحقيق غايات محددة""4"
العلاقة بين عناصر شخصية المتعلم والتربية على القيم
من
خلال هذين التعريفين نستطيع أن نستنتج أن التربية على القيم تتقاطع وعناصر بناء
شخصية المتعلم، المعرفية، والمهارية، والوجدانية، ذلك أن التربية على القيم تتجاوز
ما هو وجداني إلى ما هو معرفي ومهاري، وهذا يلخصه قول الدكتور خالد الصمدي:
"إن التربية على القيم تحتاج إلى الوجدان ولا تختزل فيه وتقتصر
عليه""5".
وكذلك نجد محمد مكسي بعدما تكلم عن التربية على القيم
والكفايات، وعن مكانة التربية على القيم في الوثائق الرسمية، استنتج أن تعليم
القيم يتضمن النمو والارتقاء في الجوانب التالية:
الاتجاهات والميول.
الاستبصار.
المعرفة.
القدرة على التواصل.
تكوين الأحكام القائمة على التفكير والحكم الأخلاقي.
الميل لتطبيق القيم وأداء ما يعد صوابا"6".
لخص الكتاب الأبيض القيم التي تضمنها الميثاق فيما يلي:
قيم العقيدة الإسلامية،
قيم الهوية الحضارية، ومبادئها الكونية.
وقيم المواطنة،
وقيم حقوق الإنسان"7"،
وعلق الدليل البيداغوجي للتعليم الابتدائي على هذا المدخل
بقوله: "أولى الكتاب الأبيض لمدخل التربية على القيم أهمية بالغة جاعلا منه
اختيارا استراتيجيا لتطوير المنظومة التربوية، ساعيا في ذلك إلى جعل الناشئة تنمو
وفق توجهات وقيم تستهدف إدماجهم في محيط اجتماعي تسوده روح المسؤولية والوعي
بالحقوق والواجبات في إطار من التسامح واحترام الآخر""8".
كيف تحصل القيم؟
إن التربية على القيم لا تحصل بالتوجيهات العابرة،
والنصائح العفوية، والإرشادات الوقتية، بل تحصل وفق استراتيجية تربوية هادفة تخضع
للتخطيط والتنفيذ والتقويم. إن تعزيز منظومة القيم يكون ب: "إعادة النظر في
كيفية بناء المفاهيم لدى المتعلم وأساليب وطرق ذلك، والوسائل العلمية والمقاربات
التربوية والتقنية الكفيلة بإبراز هذه القيم، في صورتها الواضحة المشرقة وبعدها
الإبداعي الخلاق وعالميتها المرتكزة على الرحمة بالناس، ودروها في حل الأزمات
والإشكالات التي يتخبط فيها المجتمع المعاصر".
إن المنظومة التربوية كما تحتاج إلى بناء المعرفة، وتنمية
المهارات، فهي أيضا في حاجة إلى منظومة قيم، تمكنه من استيعاب ثقافته
وحضارته(=الرصيد المعرفي)، والانفتاح الواعي على الثقافات والحضارات
الأخرى(=المهارات)، كما أنه محتاج إلى معايير يزن بها ما يفد عليه من مبادئ،
وسلوكات، وأفكار ليميز الخبيث من الطيب{=قيم}.
مؤشرات تقويم القيم
إن المؤشرات التي بها نستطيع تقويم القيم تحتوي أيضا على
ما هو معرفي، كأن يستطيع تعريفها ويستدل عليها، وما هو مهاري كأن يقارنها بضدها،
أو يرتبها كقيمة مركزية أو فرعية،، وأيضا ما هو انفعالي وجداني، كأن يشعر بالفرح
تجاه شخص أدى الأمانة إلى أهلها، أو تألم عندما رأى أحد الآباء لم يعدل بين أبنائه.
أهمية التربية على القيم
ولأهمية التربية على القيم في علاقتها بعناصر بناء شخصية
المتعلم نجدهااحتلت في المنهاج الدراسي المغربي أهمية بالغة في جميع مراحيل
التعليم بهدف تحقيق التوازن في تكوين المتعلم، ذلك أنه لا نستطيع تحقيق أي تنمية
مستدامة في غياب منظومة القيم التي تضمن استقراراها واستمرارها.
ولأهميتها أيضا هناك دعوات لتوسيع مجال التربية على القيم
في الفضاء المدرسي، لما تحتله المدرسة في الوعي والوجدان ومخيال المتعلم وأسرته،
ومجتمعه، ثم تمتد إلى فضاء المجتمع ككل، أسرة، وبيئة، وذلك بخلق وضعيات مستمدة من
الواقع، ذات امتدادات سوسيوثقافية، تهدف إلى ترسيخ القيم وتعزيزها فكرا وممارسة،
إذ "لا معنى لوضعية تعليمية لا تتضمن امتدادات خارج المدرسة. وتضم هذه
الوضعيات اهتمام المتعلمين بالأنشطة المعرفية والمنهجية والمهارية"9"،
باعتبار التربية على القيم تتجاوز ما هو معرفي ومهاري ووجداني إلى أن تكون نسقا
رمزيا ثقافيا مشتركا في إطار محلي، وأيضا في إطار إنساني كوني.
ولدور التربية على القيم المهم في بناء شخصية المتعلم
المتوازنة، نجد الرؤية من مرجعياتها الميثاق، مع ما يقتضيه من ملاءمات وتطوير تهم
بالأساس "التربية على القيم"، ومن مبادئها أيضا: "ترسيخ القيم
وتقوية الانتماء والحوار بين الثقافات والحضارات".
-------------------
المصادر والمراجع:
1- الميثاق
الوطني للتربية والتكوين ص: 7
2- الرؤية
الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030 ص: 9
3- الدليل
البيداغوجي للتعليم الابتدائي
4- مجلة
البصيرة التربوية العدد الأول ص: 107
5- نفسه
ص: 41
6- - محمد
مكسي: بيداغوجيا الكفايات والتربية على القيم ص: 47/48
7- ينظر
الكتاب الأبيض وكذلك وثيقة المنهاج الجديد للتربية الإسلامية
8- الدليل
البيداغوجي للتعليم الابتدائي ص: 16

ليست هناك تعليقات:
اضافة تعليق