مقدمة
من الكتب الصغيرة الحجم الغزيرة الفوائد كتاب أبي الأعلى المودودي المعنون ب"المبادئ الأساسية في القرآن الكريم"، يعطي فيه منهجية ميسرة لكيفية التعامل مع القرآن الكريم تلاوة ودراسة.ولمشاهدة الحلقة الخاصة بكتاب "المبادئ الأساسية في القرآن الكريم"، ضمن سلسلة حلقات "الكتب سلاح العقول هذا رابطه
من خصائص أسلوب القرآن
أول ما يحاول هذا الكتاب أن يثيره في ذهن المؤمن، أن القرآن الكريم في أسلوبه مخالف لكل الكتب الأخرى، فالكتب عادة تتحدث عن موضوع معين، ويقسم إلى أبواب أو فصول، كل باب أو فصل يعالج الموضوع من ناحية معينة، حتى يستوفي ذلك الموضوع حقه، لكن عندما تفتح القرآن وتبدأ بتلاوته، فإنك لن تجد هذه الخاصية عنده، لا يبدأ بالحديث مثلا عن العقائد ويتحدث عنها، ثم ينتقل إلى العبادات والمعاملات حتى يتفرغ منها، ثم ينتقل إلى الأخلاق والقيم حتى ينتهي منها، بل هو كتاب كما يقول أبو الأعلى المودودي "يرى فيه المسائل العقائدية والتعاليم الخلقية، والأحكام الشرعية، والدعوة والنصيحة، والعبرة والنقد، والزجر والتخويف، والترغيب، والحجج والشواهد، والقصص التاريخية، والإشارات إلى آيات الله في الكون، كل ذلك يتكرر بيانه بين حين وحين، ويبدأ ويعاد بوجوه متباينة، وأساليب متنوعة" ص: 03
لذلك ستجد
الإنسان مندهشا من أسلوب القرآن، ويرى أنه يفتقد _ظاهريا_ التنظيم والترتيب
والانسجام، أما الذي لا يؤمن بهذا الكتاب، فيجد هذا ذريعة للتقول عليه وإثارة
الشبهات حوله.
عليك أولا
أن تقبل على القرآن وأنت مستوعب أن هذا الكتاب لا يشبه الكتب التي عرفتها وقرأتها،
فإنه كتاب فريد فذ من جميع نواحيه.
ما أصل القرآن؟
عليك أن
تعلم أولا كنت مؤمنا بالقرآن أم لا، أن أصل القرآن كما بينه من أوحي إليه وهو محمد
صلى الله عليه وسلم، هو الله سبحانه وتعالى، ويمكن أن يتضح أصل القرآن في النقاط
التالية:
الله سبحانه
وتعالى هو خالق هذا الكون، وجعله مسخرا للإنسان الذي كرمه الله بنعمة العقل
والإدراك وجعله مستخلفا في الأرض، ولأن هذه المهمة عظيمة وخطيرة، زرع الله فيه أن
الله هو مالك الملك، ووضع له قواعد كي يكون عبدا لله وسيدا في الكون، وهذه الحياة
دار عمل وابتلاء، والآخرة دار جزاء، والمنهج المطلوب في الحياة، أن يتخذ الله إلها
واحدا، ولمعرفة ذلك علم الله الإنسان ولم يجعله جاهلا تائها، وبين لهم المحجة البيضاء
من الطريق السوداء، غير أن توالي القرون والأزمان جعلت الإنسان يميل عن الطريق
السوي، أشرك مع الله آلهة أخرى، فبعث الله الأنبياء والرسل عليهم السلام لإرجاع
الناس إلى المحجة البيضاء، يتفقون في الأصول ويختلفون في التشريعات، وآخرهم محمد
بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، وأنزل عليه المعجزة الخالدة القرآن الكريم.
ما موضوع القرآن
بعدما علمنا
أن القرآن الكريم كلام الله سبحانه وتعالى فما موضوعه؟
إن موضوع
القرآن الكريم هو الإنسان، ما الذي يجعله سعيدا في الدنيا والآخرة فيهتدي به، وما
يجعله شقيا في الدنيا والآخرة فيتجنبه.
أما بحثه الرئيسي،
فهو بيان الرؤية الكونية القرآنية، التي تفسر الوجود، من أين ولماذا وإلى أين؟ أي
علاقة الإنسان بربه، وبأخيه الإنسان، وبالكون الذي يعيش فيه.
أما هدف
القرآن فهو دعوة الإنسان إلى هذا المنهج الصحيح، وتبيان لهدي الله الذي ضل عنه
الإنسان، بعدم المبالاة، أو شوهه بدافع من غروره ومكابرته" ص: 11
يقول أبو
الأعلى المودودي "والذي يدرس القرآن واضعا هذهه النقاط الثلاث الأساسية أمام
عينيه _موضوع القرآن، غاية وهدف القرآن، بحثه الرئيسي_ يتبين له بدون غموض أن هذا
الكتاب لم يحد عن موضوعه وبحثه الرئيسي، وهدفه المنشود حتى ولا قيدة شعرة، وتجد
مباحثه المنوعة تلتئم مع بحثه الرئيسي التئام الدرر الملونة الصغيرة والكبيرة في
سمط القلادة السندسي" ص: 11
من الصعب
جدا، معرفة الأسلوب البياني للقرآن وترتيبه وأكثر مباحثه ما دام لا يعرف كيفية
نزوله:
مراحل نزول القرآن
المرحلة
الأولى انصبت أساسا على تهيئة الرسول صلى الله عليه وسلم للمهمة التي كلفه الله
بها، للنجاح فيها، ثم مده بالمبادئ العامة عن الحق وبالكيفية التي سيصحح مغالطات
الناس، ثم دعوة الناس إلى المنهج القويم والأخلاق الحسنة، واستمرت هذه المرحلة ما
يقارب من خمس سنوات، أما ردود الأفعال التي خلفتها هذه المرحلة فهي بين إيمان بعض
الصحابة، وعداوة البعض، ثم نسبيا بدأت اتساع رقعة الدعوة الإسلامية.
المرحلة
الثانية، وهي مرحلة الصراع والمواجهة المباشرة بين الدعوة الإسلامية وبين الجاهلية
السائدة، واستمرت ما بين ثمان وتسع سنوات، ومن مميزات هذه المرحلة أن الرسول تعرض
للسب والشتم والضرب والاتهام بالجنون وغير ذلك، ثم اشتداد الأذى على الصحابة حتى
فرضت عليهم الظروف الهجرة إلى الحبشة، ثم لاحقا إلى المدينة، ورغم كل شيء ثبتوا على
الحق وصبروا على كل أنواع الأذى في سبيل الإسلام، وكانت تنزل بينهم على الرسول صلى
الله عليه وسلم قصص الأنبياء مع أقوامهم ليثبت الله فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم
ومن معه من المؤمنين.
المرحلة
الثالثة، وهي مرحلة تأسيس الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، وتعرضت الدعوة
الإسلامية في هذه المرحلة لتحديات أخرى، أولاها أن الصراع سيبدأ مع فرقتين إضافة
إلى مشركي مكة، وهو اليهود والمسيحيون، وفي النهاية انتصرت هذه الدعوة الإسلامية،
وكان القرآن ينزل لينظم المجمتع الإسلامي داخليا، ثم وعلاقاته مع الآخرين خارجيا.
ثم بين أبو
الأعلى المودودي تدوين القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وجمعه في عهد أبي
بكر رضي الله عنه، ثم الجمع الأخير في عهد عثمان رضي الله، وفي كل جمع وتدوين
تختلف الدواعي وتختلف كيفية الجمع.
ختاما:
لا بد من
ذكر بعد النقاط التي أشار إليها أبو الأعلى المودودي رحمه الله وهي كما يلي:
-
القرآن كتاب عمل لا كتاب دراسة نظرية.
-
القرآن كتابة هداية للبشرية كافة.
-
القرآن كتاب مبادئ عامة.
-
من أهم مبادئ التعامل مع القرآن الكريم الإقبال عليه دون
أحكام مسبقة.

ليست هناك تعليقات:
اضافة تعليق