الأربعاء، 17 يوليو 2019

المعالم الفكرية لعلال الفاسي



مقدمة

من الأسئلة التي تشغلني كلما قرأت كتابا جديدا، وعلمت أن جهلي ينمو ويزداد بذلك، سؤال: كيف أطلع على أكبر قدر ممكن مما أنتجه العقل البشري، من مؤلفات ومجلدات، في مختلف المعارف والفنون والعلوم، على مر العصور والأزمان، بغض النظر عن جنسية الكاتب ودينه ومذهبه الفلسفي والسياسي، لذلك أجد نفسي أميل إلى تلك المؤلفات التي تلخص أفكارا كثيرة في صفحات قليلة، ومنها كتاب الدكتور أحمد الريسوني الذي خصصه للحديث عن علال الفاسي وإنتاجه في علوم الشريعة الإسلامية، ك: "مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها"، و "دفاع عن الشريعة"، وإنتاجه في مجال الفكر الإسلامي، ككتابه الرائد: "النقد الذاتي"، و "إشراقات علال الفاسي الفكرية" وغيرها من الكتب والمؤلفات التي تنتمي إلى هذين الحقلين المعرفيين.
وبعدما توقفنا في التدوينة السابقة عن أهم مضامين كتاب أحمد الريسوني، فإننا في هذه التدوينة سنحاول الوقوف عن بعض معالم فكر وشخصية علال الفاسي.

حلقة التدوينة على اليوتيوب


_المعلم الأول

الظروف والشرط التي ساهمت في تكوين شخصية علال الفاسي الفكرية والسياسية لخصها محمد مصطفى القباج فيما يلي: قصة المغرب مع الاستعمار الفرنسي والاسباني، ومراحل مقاومته والتي سماها: "الشروط الحدثية التي أطرت تاريخيا النسق الفكري لعلال الفاسي" أما المناخ المعرفي والمذهبي الذي يمثل روح النسق فهو مركب من المالكية والسلفية الجديدة، طبعا مع الانفتاح الكبير على ثقافات العصر المختلفة والمتنوعة، وخاصة ذات الخلفية الإيديولوجية الاشتراكية، أو ذات الخلفية الليبيرالية.1

_المعلم الثاني

 تراث علال الفاسي الفكري هو مرآة صادقة للمجتمع المغربي فكريا واجتماعيا واقتصاديا من نهاية القرن التاسع عشر إلى أواخر القرن العشرين، لأنه كما قلنا قصة الاستعمار الذي تعرض له المغرب، شكلت شخصية علال الفاسي الفكرية والسياسية.

_المعلم الثالث

الجمع بين الجهاد السياسي والتنظير الفكري الإصلاحي أي بين ممارسة النضال السياسي والنضال الفكري، وبين التحرير والتخطيط للبناء، مع التأكيد على أن علال السياسي مات، وعلال المفكر ما زال حيا في دنيا الناس، فهو من السياسيين الكبار الذين لا يجارون في ممارساتهم السياسية، كما أنه من المفكرين الذين لم يتوقفوا عن عقد المحاضرات والندوات والتأليفات لتعريف العالم بالمغرب، وما يرزح تحته من استعمار يستغل ثروات البلاد، ويستعبد العباد، ثم للتنظير الفكري لمغرب ما بعد الاستقلال، ولنا في كتاب النقد الذاتي خير مثال، فهو مشروع نهضوي متكامل لمغرب ما بعد الاستقلال.

_المعلم الرابع

 الجمع بين المعرفة الشرعية والمعرفة الفلسفية وخاصة منها الغربية، ولعل أبرز نموذج يمكن سوقه في هذا السياق، قراءته البارعة في كتاب "البديل" للفيلسوف الفرنسي "روجيه جارودي"، الذي كان شيوعيا قبل أن يسلم، ثم أيضا مقارنته للتشريعات الإسلامية بالقوانين الوضعية وخاصة الفرنسية منها.

_ المعلم الخامس

يعترف علال الفاسي أن أفكاره المبثوثة ليست نهائية، وهو نفسه قابل لأن يراجعها في أول خطوة، فهو يعترف في مقدمة كتابه "النقد الذاتي"، بأن ما يعرضه في هذا الكتاب لا يلزم به أحدا وقابل للصواب والخطأ بالتساوي، وحتى بالنسبة إليه ما ورد في هذا الكتاب قابل لأن يراجعه في أول خطوة بينت له أنه أخطأ من حيث أراد الصواب، يقول: "إنني لا أعتبر ما كتبته في النقد الذاتي أفكارا، وإنما هي دلالة على أفكار2"
ويطلب من الباحث أن يتحلى بالبحث والنظر والإيمان بفعالية العقل، ومراجعة كل ما يبدو من المسلمات، والشك حتى في البديهيات، لأن الفكر يبنى  على أساس قوي ومتين، ومنهج رصين، ولأن النقد هو أكثر ما يجعلنا نتقدم إلى الأمام بتبصر.

_المعلم السادس

الاهتمام بمقاصد الشريعة الإسلامية والإبداع فيها، وكتابه "مقاصد الشريعة ومكارمها" خير شاهد على هذا، ولم يتوقف الأمر عند هذا الكتاب، بل نجد البعد المقاصدي في كل مؤلفاته، لما عرض الدكتور إسماعيل الحسني في تحقيق لكتاب المقاصد لعلال الفاسي، تعريفه للمقاصد قال، أن المقصود من الغايات والأسرار هي مصلحة الإنسان، واستدل عليها من كتاب النقد الذاتي، ويقول: "ولعله أدل الكتب على شخصية هذا الأستاذ المتميز والمفكر المتمكن والسياسي المخضرم3"، حتى أنه استطاع أن يكشف عن بعض مقاصد الشريعة الاستعمارية، وفضح بعض المداخل القانونية الاستعمارية لتحقيق أهدافها الاستعمارية ومقاصدها، كما نجد في الظهير البربري.
...........................

الهوامش

1 للتوسع ينظر في رحاب ص: 58_59
2 النقد الذاتي ص: 10
3 مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها ص: 24







ليست هناك تعليقات:

اضافة تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2019 مدونة الكتب سلاح العقول
محمد : الكاس